حبيب الله الهاشمي الخوئي

330

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

كعذاب القبر وطول الحساب وخطر الصراط وساير ما بين يدي الانسان من الأهوال على ما وردت في الأخبار . المرتبة الثانية أن يكون المرغوب فيه اللذائذ الموعودة والنعم الموجودة في الجنّة من الحور والقصور والأنهار والأثمار وساير ما أعدّت للمتقين وهذا زهد الراجين فانّهم لم يتركوا الدنيا قناعة بالعدم وخلاصا من الألم وإنّما تركوها رغبة في وجود دائم وطمعا في نعمة غير منقطعة . المرتبة الثالثة أن لا يكون له رغبة إلَّا في اللَّه وفي لقائه فلا يكون له توجّه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ، ولا التفات إلى النعم ليقصد الفوز بها ، بل هو مستغرق الهمّ باللَّه وهو الذي أصبح وهمّه هم واحد ، وهو الموحّد الحقيقي الذي لا يطلب غير اللَّه إذ طلب غيره سبحانه لا يخلو من شرك خفيّ . وهذه المرتبة مختصّة بالتّأمين في المحبة والكاملين في مقام الرّضا ، وليس غرضهم إلَّا تحصيل الرّضوان ولا لهم نظر إلى الحور والقصور وساير اللذائذ الموجودة في الجنان لأنّ لذايذ الجنّة كلَّها عندهم بالنسبة إلى لذّة الاستغراق والفناء مثل لذّة اللعب بالعصفور والاستيلاء عليه بالنّسبة إلى لذّة الملك والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق ، والطالبون لنعيم الجنة عند أهل المعرفة والكمال كالصبىّ الطالب للَّعب بالعصفور التارك للذّة السّلطنة والملك من حيث قصوره عن ادراك هذه اللذة وإلى هذه أشير في قوله : * ( وَعَدَ ا للهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ ا للهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * . اى الرّضوان من اللَّه أكبر من جميع ما في الجنات من اللذات وهو الفوز العظيم إذ هو غاية كلّ لذّة ومنتهى كلّ سعادة يستحقر دونه كلّ بهجة .